الجمعة، يونيو 24، 2011

الرؤساء العرب هل يفقهون ؟

ردود أفعال رؤساء الجمهوريات العربية المترنحة توحي وكأنهم لا يعرفون ما يحدث في بلد يحكمونه، أو أنهم يعتقدون أن من يحكمونهم شعب من العميان لا يرون ولا يعرفون شيئاً. وفي كلتا الحالتين هم في وضع خطأ وخطر وغير طبيعي!
وقد يعرفون كل شيء ويتجاهلونه، أو أن "براءتهم" وبساطتهم تجعلهم لا يعرفون ما يحدث في بلدهم ويعتقدون أن كل شيء على ما يرام ولا يعرفون حقيقة الوضع، وفي هذه الحالة تكون المصيبة أعظم!

لو جلس كل رئيس جمهورية عربية تترنح مع نفسه وفكر في الحالة التي وصل إليها شخصياً ويتأمل في الوضع المؤسف الذي وصل إليه الشعب بسببه، ويبعد عن تفكيره أية حسابات غير وطنه وشعبه، وغير إنسانيته وأخلاقه، فسيدرك أن الرحيل هو أجمل شيء يمكن أن يقوم به فيما بقي من حياته لأجل نفسه ومستقبله ووطنه ومواطنيه.

الرئيس بشار الأسد في خطابه يوم الاثنين الماضي بدا أضعف مما توقعه الكثيرون فكلمته كانت لا تتناسب والوضع الذي تشهده بلاده وسلوكه لم يكن يتوافق مع سلوك رئيس دولة قُتِلَ مِن أبناء شعبه أكثر من 1300 وجرح الآلاف ويقول إن من قتلهم "مسلحون"! وليته تعلم من "مبارك" في خطاباته المختلفة قبل تنحيه، حيث بدا ثابتاً ورزيناً، وعندما شعر بأن الشعب لن يقبل حكمه من جديد وأن لا مجال للاستمرار في كرسي الحكم انسحب وفضل الرحيل على أن يضحي بالمزيد من مواطنيه الذين راح منهم 365 شهيداً خلال تلك الثورة. كيف يتوقع الأسد استعادة السيطرة على الوضع في سوريا وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية الغاضبة، بعد عشرات الآلاف من القتلى والجرحى واللاجئين؟ كيف يعتقد أن شعبه سيصدقه بعد ذلك الخطاب المبنى على وعود سابقة لم تتحقق بعد؟!

وفي المقابل فإن البطولات الخرافية والوهمية التي يعيشها القذافي أمر يجعل الإنسان حيراناً، فلماذا كل هذا العنف؟ ألا تكفي الإنسان 40 عاماً من الحكم المطلق حتى ملّ منه كرسي السلطة، ثم يهدد الناتو والعالم بأنه سيهزمه وهو مختبئ في مكان لا يعلم مكانه أحد، ومن يموتون هم أبناء شعبه سواء أكانوا من مؤيديه أو من الثوار ضده... وكل ذلك من أجل كرسي! لو انتصر القذافي على "الناتو"، هل سيكون قد بقي ليبيون على قيد الحياة كي يحكمهم القذافي؟ ولماذا أصلا يحكم من لفظه شعبه والعالم بأسره؟

وماذا تعني التصريحات الرسمية اليمنية بين يوم وآخر حول تأكيد عودة الرئيس صالح إلى البلاد؟ هل تعني أنه سيعود إلى السلطة في اليمن؟ ولماذا يعود إلى مكان هو غير مرغوب فيه؟! وكيف سيحكم ومن سيحكم؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا لا يضع هؤلاء نهاية شريفة وكريمة لمسيرتهم؟ الإجابة هي بلا شك أن من كانت مسيرته كريمة في حق شعبه فنهايته لابد أن تكون كريمة في حق نفسه.

ماذا يريد بن علي من تونس وكيف يمكن أن يقنع نفسه وشعبه بأنه بريء من التهم الموجهة إليه؟ وما الفرق إن كان خرج من تونس هرباً أو أنه وقع في خديعة أو أنه خرج بمحض إرادته؟ لقد قال الشعب كلمته، وطلب منه الرحيل.. فلماذا يريد العودة؟ وما الذي سيفعله إذا عاد؟ إن شعبه أسعد بخروجه. رئيس خرج مواطنوه لأشهر في الشوارع مطالبين برحيله، ما الذي يجعله يصر على البقاء أو على العودة بعد الخروج؟ وما الذي يمكن أن يجعله يرجع إلى حيث كان عليه؟! هل هو كرسي الرئاسة؟ أليست هناك أشياء أهم من هذا الكرسي الذي يفترض أن كل رئيس جمهورية عربية يدرك بأنه يجب أن يتركه بعد فترة من الزمن ليأتي رجل آخر يجلس عليه، ومن بعده يأتي آخرون، وهو ينظر إليهم بل ويبارك لهم. هذا هو نظام الجمهورية، ليس حكماً أبدياً سرمدياً لا نهاية له! لماذا ينسى رؤساء الجمهوريات العربية هذه الحقيقة؟!

إن ما نراه اليوم من عناد بعض القائمين على السلطة في دول عربية وعملهم واجتهادهم على إقناعنا بأننا نحيى في ليل مظلم -والحقيقة أننا نعيش في وضح النهار- أمر غير مقبول. العالم ينظر إلى تصرفات حكام الجمهوريات العربية، ويستغرب تشبثهم المطلق بكرسي الحكم، واستعدادهم للتضحية بشعوبهم ووصفهم بأبشع الأوصاف فقط ليبقوا على كرسي الحكم، وهم ينسون أنهم راحلون طال الوقت أم قصر، لكنهم لا يعلمون أنه كلما طال بقاؤهم زادت أخطاؤهم والجرائم التي ترتكب باسمهم في حق الشعوب وبالتالي صارت محاكمتهم أمراً واقعاً لا مفر منه.

مشكلة رؤساء الجمهوريات العربية اعتقادهم بامتلاك كل شيء حتى الوقت فيأخذون وقتاً طويلا في إلقاء خطاباتهم دون أن يقولوا شيئاً مفيداً والتي تثير الشعب بدل أن تهدأه، ويطلبون زمناً طويلا لتنفيذ وعودهم، ولا يدركون أن الشعب وصل إلى نهاية الوقت ونفاد الصبر.

كيف ولماذا استطاع ملك المغرب أن يحسن التعامل مع مطالب شعبه وأن يرضي المعارضة بما قدمه من إصلاحات سياسية؟ وكيف فشل كل رؤساء الجمهوريات العربية في التجاوب مع مطالب شعوبهم؟ هل المشكلة في عقم النظام السياسي الجمهوري؟ أم لأنه نظام بيروقراطي يجعل الرئيس يكتشف ما كان يجب القيام به بعد فوات الأوان؟

نقلا عن (الاتحاد) الإماراتية
محمد الحمادي-
-

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق